ابراهيم بن عمر البقاعي
330
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
ولما عظم الغلام ، استأنف تعظيم والده بما يدل مع تشريفه على سلامته بقوله : سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ * أي سلامة له ولولده وتسليم وتحية وتكريم في الدارين ولما كان هذا خطابا لمن بعده عليه السّلام وهم كلهم محبون مجلون معظمون مبجلون لم يكن هناك حال يحوج إلى تأكيد فقال : كَذلِكَ أي مثل هذا الجزاء العظيم نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * من غير أن يذكر « أن » المؤكدة ، ولما كانت أهل الملل كلها متفقة على حبه ، وكان كلهم يدعي اتباعه ورتبة قربه ، قال معللا لجزائه بهذا المدح في سياق التأكيد استعطافا لهم إلى اتباعه في الإيمان وتكذيبا لمن ينكر أن يكون الإيمان موجبا للإحسان : إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا أي الذين يستحقون الإضافة في العبودية والعبادة إلينا الْمُؤْمِنِينَ * فلا يطمع أحد عري عن الإيمان في رتبة أتباعه ؛ قال الرازي : الإيمان المطلق الحقيقي شهود جلال اللّه ووحدانيته والطمأنينة إليه في كل محبوب ومكروه ، وترك المشيئة لمشيئته والانقياد لأمره في جميع أحواله . ولما أتم قصته في أمر الذبيح ، وشرع في ذكر ما جازاه به على ذلك ، جعل منه أمر إسحاق عليه السّلام فقال : وَبَشَّرْناهُ أي جزاء على صبره في المبادرة إلى امتثال الأمر في إعدام إسماعيل عليه السّلام بِإِسْحاقَ مولودا زيادة له بعد ما سلمنا إسماعيل عليه السّلام حال كونه نَبِيًّا أي في قضائنا أو بوجوده مقدرة نبوته . ولما كان هذا اللفظ قد يطلق على المتنبىء ، أزال إشكال هذا الاحتمال وإن كان واهيا بقوله : مِنَ الصَّالِحِينَ * أي العريقين في رتبة الصلاح ليصلح لأكثر الأوصاف الصالحة . ولما أثنى على إبراهيم عليه السّلام بما عالج مما لم يحصل لغيره مثله ، وكان من أعظم جزاء الإنسان البركة في ذريته قال : وَبارَكْنا عَلَيْهِ أي على الغلام الحليم وهو الذبيح المحدث عنه الذي جر هذا الكلام كله الحديث عنه ، وكان آخر ضمير محقق عاد عليه الهاء في « وَفَدَيْناهُ » ثم في « وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ » وهذا عندي أولى من إعادة الضمير على إبراهيم عليه السّلام لأنه استوفى مدحه ، ثم رأيت حمزة الكرماني صنع هكذا وقال : حتى كان محمد صلّى اللّه عليه وسلّم والعرب من صلبه . وَعَلى إِسْحاقَ أي أخيه ، قال حمزة الكرماني : حتى كان إسرائيل اللّه والأسباط من صلبه ، وقال غيره : خرج من صلبه ألف نبي أولهم يعقوب وآخرهم عيسى عليه السّلام . وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما أي الأخوين ولا شك أن هذا أقرب وأقعد من أن يكون الضمير للأب والابن ، لأن قران الأخوين في الإخبار عن ذريتهما أولى من قران الابن مع أبيه في ذلك ، فيكون الابن حينئذ من جملة المخبر عنه بذرية الأب مُحْسِنٌ وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ حيث وضعها بما سبب عن المعاصي في غير موضعها الذي يحبه ، وهذا مما يهدم أمر الطبائع حيث كان البر يوجد من الفاجر والفاجر يوجد من البر .